الموتى في قبورهم بين الاحترام والامتهان

1423651923.jpg ربيع حسن كوكة - عدد القراءات (2228) - طباعة - مشاركة فايسبوك

ظهرَ الضلالُ فعاثَ إفساداً فما....يرضى سوى التدمير نهجاً عارمة
أمِنَ الديانة نبشُ قبرٍ يا تُرى....في هَتْكِ سَترٍ للرفاتِ الآمنة
لله أشكو ما دهى أوطاننا....حتى القبور فلم نراها سالمة
من أبياتٍ نظمتها فيما دهى بلادنا الحبيبة من دمار؛ إذ بعد إيذاء الأحياء في بلادنا والذي ظهر على أيدي الغرباء والمغرر بهم من أبناء وطني؛ ها هي ظاهرة إيذاء الأموات تنتشر مؤخراً باسم الدين؛ فمن تفجير قبر النبي يونس عليه السلام في مدينة نينوى في العراق إلى تفجير قبر الإمام النووي في نوى سورية؛ يفصل بين هاتين الجريمتين الكثير من الجرائم من نبش قبورٍ للأولياء والصالحين وأهل العلم والفضل.
ولكي لا ندخل في مهاتراتٍ جدلية فارغة لا بدّ لنا أن نعرف حكم نبش القبور في ديننا الحنيف؛ فقد قرر الفقهاء أنه يحرُم نبش القبور لأن حرمة الميت في قبره كحرمته حال حياته ومن ثم فنبش القبور الأصل فيه الحرمة، ولكن إذا دعت لنبش القبر مصلحة معتبرة شرعاً أو عذر شرعي فيجوز نبشه في حدودٍ ضيقة؛ فمن ذلك مرور زمن طويل على المقبرة بحيث لا يبقى فيها للميت أثر ولا يكون المكان موقوفاً، أو تعلق بالمقبرة حق لآدمي، أو كان الميت يتأذى بوجوده في هذا القبر، أو تكون هناك مصلحة عامة للمسلمين لا تتحقق إلا بحفر المقبرة أو جزء منها.
وبالتالي فلا يجوز الاعتداء على قبور الناس لما ورد في الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:( إن كسر عظم المؤمن ميتاً مثل كسره حياً ) رواه أبو داود. وجاء في رواية أخرى عند ابن ماجة :( كسر عظم الميت ككسر عظم الحيّ في الإثم ) رواه ابن ماجة.
وقد أجاز بعض الفقهاء نبش القبر من أجل توسيع المسجد وكذلك إذا دُفنَ في القبر ميتين فيجوز استخراج أحدهما لدفنه بمفرده. وقد قال الإمام البخاري في صحيحه:[ باب هل يخرج من القبر واللحد ] ثم ذكر بسنده حديث الصحابي جابر بن عبد الله رضي الله عنهما:( لما حضر أحدٌ دعاني أبي من الليل فقال: ما أراني إلا مقتولاً في أول من يُقتل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم؛ وإني لا أترك بعدي أعزَّ عليَّ منك غير نفس رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ إن عليَّ ديناً فاقض واستوص بإخوتك خيراً، فأصبحنا فكان أول قتيل ودفن معه آخر في القبر، ثم لم تطب نفسي أن أتركه مع الآخر فاستخرجته بعد ستة أشهر فإذا هو كيوم وضعته غير هينة في أذنه)
لذلك فإنه ينبغي الاحتياط في مسألة نبش القبور؛ لأن الأصل عدم النبش ومراعاة حرمة الأموات، ولو لم تكن للقبر حرمةً لما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بعض أصحابه بزيارة قبره، ولما كان هو نفسه يزور قبورهم؛ فالقبر صندوق العمل ومكان الخلوة الأبدي؛ فهو كما ورد في الحديث: ( إما روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر الجحيم ) وهو عتبة العالم البرزخي؛ لذلك فلا يجوز هتك هذا الستر الذي أسدله الله تعالى على عباده.
ولقد تلقت الأمة الإسلامية هذه المسألة بمزيد من الاحترام فلا زلنا نقرأ ونسمع ونشاهد كيف أن قبور الصالحين تُزار، واهتم الكثير من العلماء بتعيين أماكن قبور الصحابة كما هو الحال في خارطة مقبرة البقيع في المدينة المنوّرة؛ و نقرأ في تراث حلب المكتوب منظومة الشيخ أبي الوفا الرفاعي التي نظمها في تعيين قبور الصالحين والعلماء في مقابرها ومشاهدها ومزاراتها.
ولقد تحوّلت الكثير من القبور عبر الزمن لمعالم أثرية وحضارية تُقصد للزيارة من شتى البلدان.
وأما الذريعة التي تذرّع بها نُبّاش القبور في بلادنا أنها موجودة في المساجد؛ ولا يجوز وجود القبور في المساجد، والحقيقة أن القبور التي نبشوها على حالين:
الأول: أن المساجد بُنيت على أرض وُجد في جهة من جهاتها قبر؛ وهنا ينبغي أن تُنبش القبور إذا كانت قديمة ودارسة كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما بنى مسجده في المدينة وكان فيه قبور قديمة. يقول شيخنا العلامة شهيد المنبر والمحراب الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي في كتابه فقه السيرة النبوية صفحة (215): ومحل جواز نبش القبور الدارسة واتخاذ أرضها مسجداً، إذا لم تكن الأرض وقفاً؛ أما إذا كانت كذلك فلا يجوز تحويلها إلى شيء آخر غير ما وُقفت له.
وفي حال اقتضت المصلحة توسيع المسجد بحيث يدخل قبر ضمن بنائه فينبغي أن يكون القبر في معزلٍ عن مكان الصلاة؛ وهذا معمول به في المسجد النبوي الشريف في المدينة المنوّرة حيث عُزل قبر النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبيه عن الروضة الشريفة؛ من غير نَكير من الأمة منذ أكثر من أربعة عشر قرناً.
الثاني: أن القبور موجودة في مدفن مُلحق بالمسجد، وليس من ضمن المسجد، كالمدفن الخاص الموجود في جامع المقامات، وجامع العثمانية وجامع المولوية والمدرسة السلطانية، والمدرسة الخسروية، والمدرسة الشعبانية في حلب. وجميع هذه المقابر إنما وجدت بشرط الواقف الذي أوقف أرضه وتبرّع بها ليكون جزء منها مسجد والآخر مدفن؛ وهذا جائز شرعاً.
أما نبش القبور وحرقها وتفجيرها ودمارها الذي يحدث في بلادنا فلم نسمع عنه إلا في حالات الانتقام والحقد الأسود فقد كانت بعض الممالك التترية وغيرها تنبش قبور أعدائها عند الظفر بها؛ وليس هذا من الدين أبداً.
اللهمّ احفظ البلاد والعباد؛ وأكرمنا بالأمن والأمان والسلامة والاطمئنان أحياءً وميّتين يا خير مسؤول وأكرم مأمول.

--
--