محرّمٌ شهرُ الرجاء

1476093298.jpg عدد القراءات (1914) - طباعة - مشاركة فايسبوك

اللهُ حَرّمَ في مُحرّم حَربَنا ...

وجزى بها الويلاتُ إن حَلّت بِنا
لكنَّ مجموعَ الشراذمِ قد أتوا ... عاثوا الفسادَ بأرضِنا وبديننا
يا ربّنا رحماكَ نبغي دائماً ... أبدلْ بخيرٍ كلَّ شرٍّ مَسَّنا
مضى عامٌ بكلِّ وقارْ، وأتى عامٌ بكلِّ سَكِينَة، ولكنَّنا نحن البشر الذين أثرنا الحروب والويلات في عامِنا الماضي؛ وزَرَعنا الخوفَ والآهات في عامِنا القادم؛ إننا المذنبون.
على امتداد جغرافية الوطن العربي دماءٌ تُهراق وأطفال تُيتّم وأمهاتٌ ثكلى ونساء تُرمّل؛ صرخات واستغاثات في سورية والعراق واليمن ولكن الغرب الظالم يستمرُّ في غيه وعدوانه بواسطة آلته المجرمة من الموتورين والخونة.
وأمام هذا الواقع المرير قد يتساءل المرء كيف يمكن أن نغيّر ما حلّ بنا؟ ما الذي ينبغي علينا أن نفعل؟
والجواب يتلخّصُ بأنه علينا أن نتوب ونستغفر الله سبحانه فهو وحده القادر على بَلْسَمَةِ جِراحِ الماضي وزَرعِ أفراحِ المستقبل.
علينا أن نتقرّب إليه بما نستطيع من أنواع القربات المرضية لجلاله سبحانه.
إن السنوات التي تتعاقب علينا تباعاً هي رحلتنا الكبرى في الحياة؛ وشهورها محطات؛ وأيامنا تقلبات؛ وأنفسنا فيها كأنها الخطوات؛ وفعل الخير الذي يعني الطاعة لربنا سبحانه هو زادنا في هذه الرحلة بل هو زادنا لما بعدها أيضاً.
وإذا كان لبعض الأشهر خصوصية دون بعضها فإن شهر محرم أول شهور السنة الهجرية وهو من الأشهر الحُرم الأربعة التي حددها ربنا تبارك وتعالى، وقد قال سبحانه: ( إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهراً في كتاب الله يوم خلق السموات والأرض منها أربعةٌ حرم ذلك الدين القيم فلا تظلموا فيهن أنفسكم ) [التوبة / 36]
وعَنْ أَبِي بَكْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: إن الزَّمَانُ قَدْ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ السَّنَةُ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ثَلاثَةٌ مُتَوَالِيَاتٌ ذُو الْقَعْدَةِ وَذُو الْحِجَّةِ وَالْمُحَرَّمُ وَرَجَبُ مُضَرَ الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ " رواه البخاري ومسلم.
ويُستحب في هذه الشهر المبارك الصيام فقد ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( أَفْضَلُ الصِّيَامِ بَعْدَ رَمَضَانَ شَهْرُ اللَّهِ الْمُحَرَّمُ وأفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل) رواه مسلم
كما ورد عن ابنِ عباس رضي الله عنهما في تفسير قولهِ تعالى : { وليالِ عشرٍ } [ الفجر : 2 ] قال: العشرُ أولُ السنةِ من المحرمِ.
ويستحب كذلك صوم يوم عاشوراء ـ العاشر من مُحرّم ـ فصومه من مكفرات الذنوب، فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ( ما صام رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً لتحري فضله على سائر الأيام إلا يوم عاشوراء ) وفي صحيح مسلم عن أبي قتادة رضي اللَّه عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( صِيَامُ يَوْمِ عَاشُورَاءَ أَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ )
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ( لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة وجد اليهود يصومون عاشوراء فسألوا عن ذلك، فقال هو اليوم الذي أظهر الله فيه موسى عليه السلام على فرعون، فنحن نصومه تعظيماً له، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نحن أولى بموسى عليه السلام منكم وأمر بصيامه ) رواه البخاري.
وفي تأمل للطاعة المطلوبة في شهر محرم وهي الصيام سنجد أنها من أعظم القربات إلى الله تعالى وهي التي تُشكل الخزان الاحتياطي الأعظم لرصيد العبد عند ربه بنص الحديث القدسي حيث قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: (الصَّوْمُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ يَدَعُ شَهْوَتَهُ وَأَكْلَهُ وَشُرْبَهُ مِنْ أَجْلِي)
فلماذا اُختيرت هذه العبادة الصيام؟
إننا نجد الصوم مأمور به في رمضان فريضةً ولكنه مأمور به في أيام كثيرة من العام على سبيل السُّنية والاستحباب وما ذلك إلا لأن هذه العبادة تركٌ للملذات والشهوات وكسرٌ للرعونات النفسية؛ وارتقاء بالنفس إلى مقامات الفضيلة؛ ليبقى الإنسان محافظاً على اعتداله فلا تغلب شهوته النفسية على ارتقاءه الروحي؛ لا يغلب ناسوته لاهوته؛ لا يجنح إلى الحيوانية على حساب الروحانية. فالصوم ينظّمُ سلوك الإنسان وقد أمرت به سائر الأديان.
فيا ربنا أجعل شهر محرّم شهر رحمة ومغفرة وأمن وأمان؛ ربنا قد سالت الدماء وعمّ البلاء وزاد الشقاء؛ وبعطفةٍ منك يتبدّل الحال؛ فتفضّل علينا بهذه العطفة وأهطل بلادنا بوابل الرحمة فقد انقطع الرجاء إلا منك، فكُن لنا يا أرحم الراحمين.

بقلم: الشيخ الدكتور ربيع حسن كوكة

--
--